مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )

377

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء

مسألة في الفناء ( والإعادة ) « 1 » إن العقلاء كما اختلفوا في المبتدأ اختلفوا في الفناء والمعاد . والأحوال الممكنة فيه أن هذه الأجسام لا يخلو إما أن تكون باقية محتملة للوجود أكثر من وقت واحد ، أو تكون غير باقية كالأصوات لا تحتمل الوجود إلا وقتا واحدا . والأول قول الجمهور من العقلاء ، والثاني قول النظام من أصحابنا وأنه زعم أن الله سيحدث الجسم حالا بعد حال ، ولولا ذلك لبقى معدوما بعد الوجود كالصوت ، والأشبه أن يكون مراده ما ذهب إليه الفلاسفة من أن الأجسام محتاجة إلى المؤثر حال البقاء ، فظن الحاكي أنه يذهب إلى تجدد حدوث الجسم حالا بعد حال ، وأما إن كانت باقية فالأقوال فيه ثلاثة : إما أن ينكر صحة عدمها ، أو يعترف بعدمها ، أو يتوقف في الأمرين . أما المنكرون لصحة عدمها فإما أن يكون لأجل قولهم بقدمها أولا لذلك ، فأما الذين قالوا بقدمها ، فبعضهم ذهب إلى كونها واجبة الوجود بنفسها خصوصا في الأجسام السماوية وهي النصابية « 2 » ، وبعضهم ذهبوا إلى وجوب وجودها لا بنفسها ولكن بغيرها ، وهم الفلاسفة ، وإما أن لم يقولوا بأزلية العالم وقدم الأجسام ولكن بعد حصولها في الوجود صارت بحيث يستحيل عليها العدم . وهذا مذهب الجاحظ وجمع من الكرامية . وأما المعترفون بصحة فنائها فقد اختلفوا في مقامين / أحدهما : لأنه هل في العقل ما يدل على صحة ذلك ؟ فذهب أبو علي إلى صحة ذلك ومنع منه أبو هاشم وزعم أنه لا طريق إلى معرفة صحة ذلك إلا السمع . فإن السمع لما دل على عدم العالم عرفنا بذلك صحة عدمه . والثاني كيفية حصول الفناء والأحوال الممكنة فيه هو إما أن يفنى لأمر أو لا لأمر ، أما الثاني فلم يذهب إليه ذاهب ، وأما الأول فذلك الأمر لا يخلو أن يكون راجعا إلى العدم أو إلى الوجود ، وأما الراجع إلى العدم فهو أن يعدم عنه أمر كان شرطا في بقائه ،

--> ( 1 ) هذا الفصل في الفناء فقط أما الإعادة فقد أفرد لها الفصل التالي والأخير . ( 2 ) كذا في الأصل .